فخر الدين الرازي
19
تفسير الرازي
استفهام بمعنى الجحد ، وأراد أنك لا تفعل ذلك . كما تقول : أتهين من يخدمك ؟ أي لا تفعل ذلك . الثاني : قال المبرد : هو استفهام استعطاف ، أي لا تهلكنا . وأما قوله : * ( إن هي إلا فتنتك ) * فقال الواحدي رحمه الله : الكناية في قوله : * ( هي ) * عائدة إلى الفتنة كما تقول : إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند . والمعنى : أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوماً فافتتنوا ، وعصمت قوماً عنها فثبتوا على الحق ، ثم أكد بيان أن الكل من الله تعالى ، فقال : * ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) * ثم قال الواحدي : وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر . قالت المعتزلة : لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل ؛ تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين ، ولأنه تعالى قال : * ( تضل بها ) * أي بالرجفة ، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها ، فوجب حمل هذه الآية على التأويل . فأما قوله : * ( إن هي إلا فتنتك ) * فالمعنى : امتحانك وشدة تعبدك ، لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها . وأما قوله : * ( تضل بها من تشاء ) * ففيه وجوه : الأول : تهدي بهذا الامتحان إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الإيمان ، وتعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن ، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه . والثاني : أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك ، والتقدير : تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمن تشاء . والثالث : أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى ، وضلال من ضل ، جاز أن يضافا إليه . واعلم أن هذه التأويلات متسعة ، والدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن يكون المراد ما ذكرناه ، وتقريرها من وجوه : الأول : أن القدرة الصالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر ، إلا لأجل داعية مرجحة ، وخالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وعند حصول تلك الداعية يجب الفعل وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من الله تعالى وأن الإضلال من الله تعالى . الثاني : أن أحداً من العقلاء لا يريد إلا الإيمان والحق والصدق ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمناً محقاً ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى . الثالث : أنه لو كان حصول الهداية والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الاعتقاد الحق عن الاعتقاد الباطل ، امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل والتكوين ، لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق وأن الآخر هو الباطل ، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه ، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلاً ، وذلك يقتضي كون الشيء مشروطاً بنفسه وأنه محال ، فثبت أنه يمتنع أن